بين نسختين

في بداية خمسينيات القرن الماضي كتب عملاق الأدب العربي العقاد مقالاً تحت العنوان أعلاه قارن فيه بين نسختي كتاب صدر حينها لصديقه الأديب توفيق الحكيم. وكان “الحكيم” قد أهدى العقاد نسخة هدية من الكتاب مغلفة بالورق، وحسب العقاد أنها الطبعة الوحيدة للكتاب ولكن في اليوم التالي لتسلمه للنسخة الهدية رأى الكتاب بعينه في جلد أنيق، فلم يدر ما هو وجه التفرقة بين النسختين. فأراد أن يحسن الظن في صديقه “الحكيم” فقال لا بد أنه قد أحب أن يجعله ممن آثرهم بالسبق إلى اقتناء الكتاب، فلم ينتظر على تمام التجليد، ثم راوده سوء الظن فقال إنه يوم فرد، بين الوقت الذي تسلم فيه النسخة المغلفة والوقت الذي رأى فيه النسخة ذات الجلد الأنيق، فهل جاءت التفرقة من قبيل “الاقتصاد” أو جاءت من قبيل التمييز والتفضيل؟ فقرر العقاد ألا يتجاوز هذا الأمر فكتب تعقيباً على نسختي الكتاب، حمَّال وجهين، لم يدر معها صديقه الحكيم أيحسن الظن فيحسب التعليق تقديراً للكتاب؟ أم يسئ الظن فيحسبه انتقاماً للتفرقة والتمييز بين النسختين؟
في تسعينات القرن الماضي حينما كنا ندرس علوم الغابات بجمهورية فنلندا، كان لفنلندا مشروعان في مجال الغابات في كل من السودان وإحدى الدول التي كانت مجاورة للسودان آنذاك، فكانت التعليمات التي تصدر للعاملين الفنلديين المتوجهين للمشروع الذي بالدولة التي كانت مجاورة للسودان “لا تقاوم إذا تقدم منك أحدهم وطلب منك أن تسلمه ممتلكاتك أو مفتاح العربة، افعل ذلك بلا تردد. وقد حكت سيدتان فنلنديتان وعالمتان عظيمتان عاشتا في الخرطوم سنين عددا في حوالي ثمانينات القرن الماضي، فقالتا بعد أن ذكرتا حياة الأمن والطمأنينة التي عاشتاها في السودان آنذاك مقارنة بالحياة في تلك الدولة التي كانت مجاورة والتي كان الإنسان لا يأمن فيها على يده أن تقطع إذا ما أخرجها عبر نافذة السيارة وحول معصمها ساعة، ولا يأمن على روحه أن تزهق إذا ما توقف بسيارته لضرورة أو توقفت به السيارة لعطل أصابها، فقالتا أنهما بينما كانتا عائدتين من “سوبا الغابات” بسيارتهما عند حوالي منتصف الليل بعد تلبية دعوة عشاء هناك، انفجر إطار سيارتهما قرب منطقة “الشاحنات الحالية” بطريق مدني/الخرطوم، فاضطرتا إلى التوقف لاستبداله، وهن يرتجفن من الخوف والفزع في تلك المنطقة المظلمة المنعزلة في ذلك الوقت المتأخر من الليل، وبينما هما على تلك الحالة إذا بسيارة تتجه نحوهما وأنوارها الكاشفة مسلطة عليهما، ثم ما لبثت أن توقفت العربة التي كانت محملة بالخضروات وعلى ظهرها مجموعة من الرجال، ثم ترجل منها رجلان، عندها تلبستهما كل الهواجس والمخاوف التي قد تتلبس أي أنثى –كما قالتا- تجد نفسها في مثل ذلك الموقف من الزمان والمكان، ولم تستبعدا حدوث أسوأ السيناريوهات المفزعة التي سمعتا بحدوثها في أحوال مشابهة في مناطق أخرى من العالم. ولكن لدهشتهما، تقدم منهما أحد الرجلين بعد أن اشار إليهما إشارة مهذبة بإفساح المجال، ثم انهمك فوراً في نزع الإطار المعطوب، بينما قام زميله بمساعدته في استبداله بـ”الأسير”، وما هي إلا لحظات حتى كانتا في داخل سيارتهما تشيعهما تمنيات الرجلين لهما بسلامة الوصول إلى مسكنهما. “هذا لا يحدث إلا في السودان”، كما قالتا في خاتمة حديثهما.
قبل عدة سنوات وأنا في طريق العودة إلى الخرطوم بحثت في مكتبات مطار نيروبي عن كتاب يؤانسني في الرحلة، كانت معظم الكتب التي وجدتها من الطراز الذي لا يروقني، وبينما أوشكت على المغادرة خالي الوفاض، وقع نظري على كتاب كثيراً ما صادفني في أسفاري السابقة، ولم أجد في نفسي رغبة في الاطلاع عليه أو حتى مجرد تصفحه، ولكن تلبستني في هذه المرة رغبة طاغية لاقتنائه والاطلاع عليه.
عنوان الكتاب God is not grear، والكتاب كما وصفته “الأسوشيتدبرس”، يعد الأشهر من بين الكتب التي تدعو للكفر والإلحاد، منذ صدور كتاب بيرتراند رسل “لماذا أنا لست مسيحياً” عام 1927م. يصف الكتاب الرحلة الفكرية للمؤلف التي انتهت بتبنيه نظرة علمانية للحياة. والكتاب في إطاره العام عبارة عن هجوم عام وشامل على كل النواحي الدينية والتدينية وعلى كافة الأديان. وقد كان حظ الإسلام منه حوالي 5% من جملة صفحاته، تضمنت كل ما قال به أئمة الكفر والإلحاد من قبل، ووثقه القرآن الكريم ورد عليه في نصوصه الكريمة المحكمة.
ومؤلف الكتاب (كريستوفر هيتشنز) كما عرفه الناشر يحتل المرتبة الخامسة في قائمة المائة مفكر الأحياء الأكثر تأثيراً اجتماعيا. ويزعم المؤلف في كتابه أن كل الأديان تدعو للعنف وتشجع عليه، وذكر ضمن ما ذكره في هذا الشأن حادثتين، الأولى يقول أنها وقعت له على مأدبة عشاء كان يؤمها بعض مؤيدي الرئيس كلينتون وموظفي البيت الأبيض، حين استفساره أحد المرموقين في الحزب الديمقراطي عن رأيه حول الأسباب التي تجعل المسلمين أصوليين لدرجة التزمت! فقال إنه بعدما قام باستعراض كل ما في جعبته من تفسيرات لهذه الظاهرة، لفت نظر محدثه إلى أن الناس كثيراً ما ينسون أن الإسلام عقيدة لازالت جديدة وفتية، وفي أوج اعتدادها بنفسها، ولا تعاني من أزمة الشكوك التي استبدت بالمسيحية الغربية. وأضاف أنه بينما لا يوجد دليل (أو سوى دليل ضعيف للغاية) على أحداث حياة المسيح من الناحية التاريخية، فإن شخصية النبي محمد بالمقابل موثقة تاريخيا. عندها –يقول المؤلف- امتقع لون الرجل وتغير ثم صرخ بكلمات احتجاجية غاضبة، قبل أن يقفز واقفاً ويطوح بقدمه إلى الوراء كمن يتهيأ لتوجيه ركلة إليه، ثم غادر المكان غاضباً بعد أن دعا زوجته للحاق به.
أما الحادثة الثانية –يقول المؤلف- أنها كانت عندما تعرض لسيل من المحادثات التلفونية الغاضبة من بعض المسلمين، لعدم إسهامه في دعم الحملة ضد الدانمارك بسبب الكاريكاتيرات المسيئة لعقيدتهم. ويعترف المؤلف بأن هذه ليست هي الصورة الوحيدة للإسلام العالقة في ذهنه، فهناك صورة أخرى، فعندما نسيت زوجته مبلغاً ضخماً من المال في المقعد الخلفي لإحدى عربات التاكسي، تكبد سائقه السوداني عناءً شديداً للتوصل لمعرفة صاحبته وتكاليف باهظة ليصل لمنزله البعيد ويسلمه المبلغ كاملاً غير منقوص. وأضاف أنه عندما حاول منحه نسبة الـ 10% من المبلغ الذي يستحقه بموجب القانون والعرف، اعتذر عن تقبله بلطف وأوضح بحزم في نفس الوقت أنه لا يتوقع مكافأة على قيامه بواجب يحتمه عليه دينه الإسلامي. هنا تساءل المؤلف: “أي صورة من هاتين الصورتين هي صورة المثلى للإسلام؟ ثم أجاب: إذا سلك كل المسلمين سلوك هذا السوداني الذي ضحى بذلك المبلغ الضخم وسلك مسلكاً سوياً حسب عقيدته، فأنا على أقل تقدير سوف أكون محايداً في سلوكي تجاه الإسلام”.
كانت تلك قراءة في مقارنات بين نسختين، نسخة ونسخة.
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.
عبد العظيم ميرغني