رأي

خطوة خطوة مع عبد الله حلقة (1)

يقولون إن الذين لا يقرأون التاريخ محكوم عليهم بإعادته، وبالمثل فإن الذين هم على دراية بالتاريخ ولا يعتبرون بعبره هم أيضاً محكوم عليهم بإعادته.
من دروس التاريخ أن النهضة في التغير. ومن أين يبدأ التغيير؟ من الذهنية أجاب تركي الحمد في كتابه “من هنا يبدأ التغيير”، فاليابان مثلاً التي هي من أقل دول العالم حظوظاً من حيث الموارد الطبيعية هي الآن نموذج في الازدهار والتقدم، بفضل تمكنها من تغيير ذهنيتها وموروثاتها، بتقييدها تراثها القديم بإبقائه شكلاً ثم إعطائه مضموناً جديداً يتناسب والذهنية الحديثة التي اكتسبتها، فالولاء للإمبراطور قد تحول إلى ولاء للوطن، والتفاني في خدمة السيد قد تحول إلى تفاني في خدمة الإنتاج.
أما لماذا نهضت بلد مثل الولايات المتحدة الأمريكية ولم تنهض بلدان مثل البرازيل أو الأرجنتين بذات المستوى، علماً بأن هذه البلدان الثلاثة جميعها تنتمي للعالم الجديد، وجميعها بلدان مهاجرين ومستوطنين، وجميعها ذات موارد اقتصادية أولية متشابهة، وجميعها قد نالت استقلالها في أوقات متقاربة؟
يكمن السبب -يقول الحمد- في اختلاف الذهنية. فالذهنية الأنجلو-سكسونية السائدة في أمريكا غير تلك اللاتينية السائدة في البرازيل والارجنتين، وحتى لا تذهب الأفكار بالبعض بعيداً فإن الذهنية شيء مكتسب تاريخياً، وليست من الأمور الطبيعية الموروثة، وبما أنها مكتسبة فإنه بالإمكان تغييرها.
لقد أجمعت كل التجارب الإنسانية الموروثة على أن عامل الذهنية يأتي على رأس المقومات الأساسية المؤدية للنهضة ثم تليها العوامل الأخرى من استراتيجيات ونظم عمل وهياكل وأخيراً في أسفل القائمة ومؤخرتها تأتي الموارد المادية، ذلك لأن الموارد المادية وحدها مهما توفرت فإنه ليس بإمكانها نقل أي بلد من خانة التخلف إلى خانة التقدم. ولكم في بلدنا الحبيب السودان المثل والنموذج.
في مذكراته التي شملت تحليلاً لأداء القطاع الزراعي السوداني خلال الفترة 1954 – 2014، وشملت كذلك التدخلات والتغيرات المؤسسية وتعديل المهام، أورد الدكتور عبد اللطيف عجيمي، أحد وكلاء وزارة الزراعة والغابات السابقين، أنه تمت خلال فترة الستين عاماً التي أخضعها للتحليل، هيكلة القطاع الزراعي عشرة مرات، بمعدل هيكلة كل ستة سنوات. وبلغ عدد الوزراء الذين تقلدوا مهام وزراعة الزراعة خلال هذه الفنرة 62 وزيراً، بمتوسط وزير كل عام. وتضاعفت مساحة محاصيل الأمن الغذائي الرئيسية الثلاثة، الذرة والدخن والقمح، خلال تلك الفترة ستة مرات، من 2ر4 مليون فدان إلى 1ر26 مليون فدان. بينما تضاعف الإنتاج مرة واحدة فحسب، من 1ر1 مليون طن إلى 6ر2 مليون طن، حيث مثل ضعف الإنتاجية الزراعية هذا –في تقديري- رمزاً وعاقبةً معاً للسياسات الزراعية التي اتبعت خلال تلك الفترة، من سياسات توسع زراعي أفقي، وهيكلة وإعادة هيكلة، واختزال لمفهوم الزراعة في شقها النباتي على مجال إنتاج الحبوب والمحاصيل الحقلية فقط، الخ.
مع ذلك تأتي المبادرات المختلفة المقدمة من قبل عدة جهات هذه الأيام لأجل إعادة إعمار القطاع الزراعي السوداني بعد الحرب، لتركز على ذات الأفكار والأساليب والمفاهيم القديمة التي سادت خلال فترة العقود الستة أو السبعة الفائتة بمقترحات من بينها هيكلة القطاع وإعادة هيكلة وزارته وتجريب المجرب باقتراح إنشاء جسم موازي (هيئة) للمؤسسات الدستورية الزراعية الأصلية القائمة كتلك التي أنشئت من قبل، والتي لم تؤدي سوى لتشتيت الجهود وإضعاف تلك المؤسسات الأصلية. وكالعادة اختزال مفهوم الزراعة في شقها النباتي في مجال إنتاج المحاصيل والحبوب الحقلية، دون أن يرد شيء في هذه المبادرات عن الغابات مثلاً، محط اهتمامي الأول في المجال الزراعي، سوى الصمغ العربي، وفقط من أجل أن يسهم في المساعدة في تسريع عملية إعادة الإعمار والتعافي للقطاع الزراعي كما جاء بالنص باللغة الإنجليزية في إحدى المبادرات كما يلي: giving priority to high-value agricultural export products, such as livestock and gum Arabic to help speeding up the reconstruction and recovery processes.
لست أدري من الذي أوحى بفكرة أن الغابات كقطاع ليست من قطاعات الزراعة التي تحتاج لإعمار، وأن ما تجود به من سلع وخدمات يمكن أن تجود به هكذا “عفو الخاطر كده” دون أن تبذل تجاهه جهود إعمار وإعادة إعمار؟
ما تجدر الإشارة إليه أن محاولة الاعتماد على الصمغ العربي في تسريع مشاريع إعمار وإعادة إعمار القطاع الزراعي المرتجاة كمحاولة الاعتماد على حب البطيخ في ذلك، والذي كادت حصيلة إيراداته في بعض السنوات تماثل حصيلة إرادات الصمغ، كما في الأعوام 1973 و1992 و2001، والتي كانت حصيلة إيرادات الصمغ فيها 23.5، 23.4 و21.4 مليون دولار، على التوالي. وذلك بسبب الآفات كالجراد مثلاً والجفاف وأسباب أخرى مما يستعي تدخلات في إطار جهود الإعمار وإعادة الإعمار.
من منظور نظرية “ويتمان روستو” لمراحل النمو الاقتصادي الخمسة التي صاغها في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي كان قد دمر نفسه بنفسه في الحرب (كحالنا هذا) وأخذ يبحث عن سبل لبناء ما تهدم (كما نرجو نحن ونأمل)، والتي تدعو لأن يقود الانطلاقة الاقتصادية بادئ ذي بدء قلة من القطاعات (كالقطاع الزراعي أو قاطرة التنمية كما ظللنا نحلم ونزعم)، فإنه يمكننا القول وبالفم المليان بأننا على مدى العقود الستة أو السبعة الماضية قد تعدينا مرحلة النمو الأولى (مرحلة المجتمع التقليدي الذي من سماته زراعة الكفاف أو الصيد وجمع الثمار)، ونعيش حالياً في المرحلة الثانية (مرحلة الشروط السابقة للانطلاق، والتي من سماتها الطلب الخارجي على المواد الخام، والمحاصيل النقدية التي لا يستهلكها المنتجون و/أو يتم تصديرها إلى حد كبير). وحتى هذه المرحلة فإننا بالقطع لم نتجاوزها كلية إذ ما نلبث أن ننتكس، ونعود أدراجنا للخلف لنبدأ من جديد. أما بقية المراحل الثلاثة الأخرى كمرحلة الانطلاق التي تحدث فيها طفرات تكنولوجية كالطفرة التي أحدثتها الثورة الزراعية الخضراء في ستينيات القرن العشرين، والمرحلتين الأخريين المبقيتين فإنه لا داعي لشغل القارئ بتفصيلهما.
الخلاصة يبدو أنه “ما فيش فايدة” كما يردد إخوتنا المصريون الذين نعيش في ضيافتهم الكريمة على لسان زعيم أمتهم الخالد سعد وغلول.
أخيراً، ومواصلة لمقالاتي السابقة بعنوان “هل الغابات زراعة”، سأقوم بمواصلة مقالات تحت عنوان خطوة خطوة مع عبد الله. وعبد الله هذا هو الأخ والصديق الدفعة الدكتور عبد الله سليمان عبد الله من مواطني ود كبروس بولاية القضارف، وزير الزراعة بالقضارف على دورتين، ووزير الزراعة والغابات الاتحادي فيما بعد. وذلك لعكس بعض الخطوات التي مشيناها معاً ومع زملائنا في الزراعة والغابات، في اتجاه إعمار الغابات بأساليب وطرق مبتكرة بعيداً عن النمطية والتقليد.

تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.

عبد العظيم ميرغني