رأي

الانتخابات … فى جنوب السودان (ا-٢) الاحتمالات … والتأثير الداخلى و الإقليمي.

المدخل :
‏‎لا يمكن قراءة المواقف السياسية والاقتصادية فى جنوب السودان بمعزل من تطورات الاوضاع فى السودان ، من هنا يأتى الاهتمام بقراءة ملف الانتخابات المحتملة فى جنوب السودان فى ديسمبر 2024م
‏‎هذه الانتخابات المؤجلة (دوماً ) ، فقد كان من المقرر إجراءها في عام 2015 م لكن العنف الذى اندلع فى 2013 م بسبب الاختلاف داخل المكتب السياسى حول من سيحمل راية الحزب كانت وراء التأجيل الأول والذى تتابع في العام 2022م ثم فى 2023 م وإلى ديسمبر 2024م ، حيث تشكل الانتخابات عموماً جزءاً حيوياً من العملية السياسية بما في ذلك الانتقال الديمقراطي وتنفيذ اتفاقات السلام وتوطيد الديمقراطية .
‏‎المقال محاولة للنظر فى التطورات المحيطة بالنشاط السياسى فى جنوب السودان ؟ وإلى اى مدى يمكن أن تقوم هذه الانتخابات ؟ فضلًا عن نجاحها فى إحداث التحول والانتقال الديمقراطى بما يحقق الأمن والاستقرار ؟ ويتناول المقال مسألة جوهرية وهى آثار هذه الانتخابات على الوضع فى السودان والإقليم والعكس ، ومن ثم السيناريوهات المتوقعة فى ظل الاضطراب السياسى والأمني داخل الدولة الجنوبية والاقليم .
‏‎ فى أبريل من هذا العام أعلن رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات فى جنوب السودان أن “مسودة جدول زمني” تم إعداده للانتخابات الأولى في أحدث دول العالم عهداً ، دون أن يحدد موعدا دقيقا لعملية الاقتراع التي من المفترض أن تجري في ديسمبر المقبل بموجب “خريطة طريق” أبرمت فى العام الماضى .
‏‎مواقف الأطراف السياسية من الانتخابات:
‏‎المعنى بالأطراف هنا القوى السياسية الموقعة على إتفاقية السلام المنشطة ومنظمات المجتمع المدنى بالإضافة إلى القوى الإقليمية والدولية المؤثرة على الشأن الجنوبى الداخلى .
‏‎*الحركة الشعبية فى الحكومة SPLA-IG أعلن الرئيس سلفاكير في خطابه خلال أمام تجمع حاشد نظمته الحركة الشعبية لتحرير السودان بجوبا لتأييده مرشحاً للحزب -أعلن أن حزب الحركة الشعبية لتحرير السودان الحزب الحاكم ملتزم بإجراء الانتخابات في ديسمبر 2024 م للسماح لشعب جنوب السودان بالمشاركة فى إختيار قادته وأضاف ” أن هناك من يقول في أوروبا وأمريكا أنه يجب عرقلة موقف الحركة الشعبية لتحرير السودان من إجراء الانتخابات في موعدها ، بحجة إنه إذا أجريت الانتخابات فإن جنوب السودان سيعود إلى الحرب ، و تابع “يجب أن أؤكد لكم أنه لن يكون هناك قتال ، لكن تأجيل الانتخابات قد يقود إلى الحرب”. و أنتقد موقف بعض الشركاء الرئيسيين في إتفاق السلام بسبب “افتقارهم إلى برامج ورؤية واضحة” و أضاف “أولئك الذين يعارضون الانتخابات ليس لديهم الطريق للمضي قدماً ولا يعطون إجابات عندما نسألهم عن الحل إذا تم تأجيل الانتخابات ، ودائما يعودون إلينا مطالبين بالحل .
‏‎*الحركة الشعبية في المعارضة  (SPLM – IO) الشريك الرئيسي ويحظى بالنصيب الأكبر فى المشاركة في السلطة بعد الحركة الشعبية الجناح الحاكم ، يعتبر تأثيرها السياسى كبيراً مقارنة بالأحزاب الاخرى من حيث التوازن السياسي حيث ترى أن الانتخابات “”شبه مستحيلة ” بسبب حجم التحديات التى تواجه الانتخابات وأعلنت عن استعدادها لخوض الانتخابات فقط مع استيفاء الشروط والإجراءات الانتخابية وهذه الشروط فى الأصل هى بنود إتفاقية السلام المنشطة .
‏‎*تحالف أحزاب المعارضة  (SSOA ) هو تحالف أحزاب المعارضة وهو يمثل إحدى المجموعات السياسية المشاركة فى إدارة الدولة ، وقد أصدر التحالف بيانًا أوضح فيه التحديات التى تواجه سير تنفيذ إتفاقية السلام المنشط وطالبوا فى بيانهم بضرورة إجراء ” حوار وطنى” عاجل بين أطراف إتفاق تسوية النزاع حول كيفية اجراء ترتيبات الانتخابات .
‏‎*الأحزاب الأخرى ( OPP ) وهو تجمع لأحزاب سميت الأحزاب الاخرى (مظلة الحكومة ) وهى طرف فى الاتفاقية إلا أن المجموعة محسوبة على الحركة الشعبية في الحكومة و لا تخالف مواقف الحكومة ، لم تصدر المجموعة اى بيان رسمى بشأن موقفها حول الانتخابات بما يمكن إعتماده كموقف رسمى لها .
‏‎*موقف الحركة الشعبية لتحرير السودان المعتقلين السابقين ( SPLM – FD) أضحت حركة المعتقلين السابقين شبه هيئة تابعة للحركة الشعبية جناح الحكومة بعد خروج بعض القيادات بقيادة فاقان اموم الأمين العام السابق للحركة الشعبية لتحرير السودان، حيث لم تعلن هذه المجموعة عن موقف مخالف أو مع قيام الانتخابات وهى مشاركة فى حكومة الوحدة الوطنية و وضعها الحالى يحقق لها مكسباً في المشاركة فى ادارة البلاد وفق الاتفاقية المنشطة وهذا وضع مريح جدا بدلاً من الدخول في إنتخابات تكون هى أساس المشاركة التنفيذية والتشريعية في السلطة .
‏‎*موقف تحالف سوما (SSOMA ) هذا تحالف لقوى المعارضة التى لم توقع على الإتفاق المنشط في العام 2018م ، وفى محاولة لالحاقها بقطار السلام جرت مفاوضات فى (روما ) وتحولت إلى ( نيروبى) سميت بمفاوضات (توميانى ) وتعنى الامل باللغة السواحلية ، قادة هذا التحالف الفريق ملونق اوان رئيس هئية الأركان الأسبق للجيش الشعبى وباقان أموم الأمين العام للحركة الشعبية حتى 2013م ، هذه المجموعة لا علاقة لها بالتحضيرات القائمة لانتخابات 2024م ، فهى تتطلع لتوقيع إتفاق سلام مع حكومة الوحدة الوطنية و عينها على فترة انتقالية جديدة وإنتخابات مؤجلة .
‏‎*اما موقف منظمات المجتمع المدنى فهو ( رمادى ) حيث أعلنوا أنهم سوف يلتفون حول القيادة السياسية فى البلاد لقيام الانتخابات وهو موقف أقرب للموقف الحكومة الرامي لاجراء الانتخابات.
‏‎المواقف الإقليمية والدولية :
‏‎ قراءة المواقف الاقليمية والدولية سواء كانت منظمات أو دول مهمة لتقدير مستويات الدعم الخارجى لقيام العملية الانتخابية المحتملة .
‏‎*مفوضية مراقبة وتقييم تنفيذ إتفاقية السلام المنشطة (JMEC ) : أشارت المفوضية فى خطابها الموجه للرئيس سلفاكير إلى صعوبة قيام الانتخابات فى موعدها نظراً لطبيعة التحديات ووجود بنود فى الاتفاقية لم يتم تنفيذها وهى مهمة جداً إذا أرادت جنوب السودان قيام إنتخابات حرة ونزيهة وهذه البنود التى حددها خطاب رئيس الآلية في خطابه للرئيس سلفاكير هى ، مراجعة قانون جهاز الأمن و الاستمرار فى إصلاح مجلس الأحزاب السياسية ، ومفوضية مراجعة الدستور وتكوين المحكمة الدستورية والتعداد السكانى وضمان مشاركة النازحين داخليا و اللاجئين في دول الجوار ، وتعبر المفوضية من جهة اخرى عن موقف الايقاد .
‏‎* الأمم المتحدة : صرح ممثل الأمين العام للأمم المتحدة رئيس بعثة الأمم المتحدة فى جنوب السودان ( UNMISS ) أن مجرد إجراء إنتخابات لا يكفى _ مصداقية العملية وشفافيتها وشمولها هو ما يجلب الشرعية ، وهذا يشمل تمكين الأحزاب السياسية كى تكون قادرة على تسجيل وإجراء الحملات الانتخابية بحرية وتهيئة الوضع المناسب لمنظمات المجتمع المدنى التى تكون بمثابة مراقب ، وأشار إلى أنه لابد من إنهاء الترتيبات الامنية الانتقالية والتقدم فى عمليات وضع الدستور الدائم ، يبدو أن الأمم المتحدة مهتمة بالتوافق السياسى بين الأطراف باعتباره المخرج والضامن الاساس لتجنب البلاد تحديات مرحلة مابعد الانتخابات .
‏‎ * الإتحاد الأوروبي : ظل الإتحاد الأوروبي أساسيًا فى كل الجهود الدولية لتحقيق الاستقرار في جنوب السودان ، ومهتماً بدعم القطاع الإنساني والسياسي أما فيما ما يتعلق بإجراء الانتخابات ، فقد أعلن الإتحاد الأوربي أنه مهتم بما يجري في جنوب السودان ، خاصة برامج الحكومة الرامية لإجراء الانتخابات بنهاية الفترة الانتقالية في عام ٢٠٢٤م، ودعا إلى تكملة تنفيذ الشروط المسبقة لذلك، من حيث توزيع القوات الموحدة، وفتح المجال السياسي العام بإطلاق الحريات السياسية والمدنية، و ضرورة تمكين مفوضية الانتخابات .
‏‎ *موقف الولايات المتحدة الأمريكية : أعلنت وزارة الخارجية أن قادة جنوب السودان أخفقوا في الوفاء بالمعايير اللازمة لإجراء إنتخابات نزيهة في ديسمبر ٢٠٢٤م، وبين الإعلان أنه بالرغم من إعلان مفوضية الإنتخابات القومية عن بدء تسجيل الناخبين، إلا أن هنالك جهات محلية مؤثرة في الحكومة ترفض قيام الانتخابات في موعدها المقرر ، وتضمن الموقف الأمريكي إستيفاء شروط معينة تكمن في فتح المجال المدني للممارسة السياسية، وتوزيع قوات أمنية محايدةكما جاء في إتفاق السلام المنشط (القوات الموحدة)، وتوفير المال اللازم لتمويل العمليات الانتخابية، علاوة على ذلك فإن نبذ العنف كأداة للمنافسة السياسية فيما بين المكونات السياسية المشاركة .
‏‎*الموقف السوداني :
‏‎يكتسب الموقف السودانى أهميته من أوضاعه و تطوراته الداخلية و كونه احدى الدول الضامنة والراعية لإتفاق السلام المنشط وقد تأثر دور السودان في إتفاق السلام المنشط بسبب الحرب الدائرة فيه فضلًا عن التأثيرات المتوقعة لنتائج الانتخابات المحتملة بناءً على السيناريوهات والمآلات لأول عملية ديمقراطية في دولة جنوب السودان.
‏‎بات في حكم المؤكد حدوث متغيرات كثيرة لمواقف حكومة جنوب السودان وقوى المعارضة من الحرب فى السودان شملت المتغيرات تورط عدد من النافذين فى الحكومة الجنوبية والمعارضة في الحرب الدائرة في السودان ، وأن الدعم السريع قد تمكن من إستقطاب بعض السياسيين فى الحركة الشعبية للعمل لمصلحة الدعم السريع باستغلال العلاقات والمصالح التجارية التى ربطت بعضهم بعضا بتقديم التسهيلات اللوجستية لقوى الدعم السريع فى المناطق الحدودية الممتدة بين ولايات غرب كردفان ووسط وجنوب دارفور وولايات غرب وشمال بحر الغزال وولاية الوحدة ، وقد دفعت هذه العلاقات بتدفق أعداد كبيرة من المرتزقة الجنوبين للمشاركة بجانب قوات الدعم السريع في الوقت الذى شهد تراجع المرتزقة القادمين من الدول الأفريقية ، وقد نجحت ضغوط الدعم السريع ودولة الإمارات العربية المتحدة فى دفع بعض الاطراف للانحياز و التدخل لصالح الدعم السريع ، رغم الجهود التى بذلتها الدولة فى بداية الحرب في النأي بنفسها عن الصراع الدائر في السودان ، إذ أن هذا الصراع قد يفجر الوضع السياسي في جنوب السودان ، و يجر المنطقة إلى دوامة من العنف لن تنتهى قريبا ، وكانت تدفقات المرتزقة الجنوبيين فى بداية الحرب تتم بطريقة فردية غير منظمة لكنها مؤخراً أخذت صورة منظمة ومجموعات ذات قدرات تدريبية عالية .
‏‎مشاركة المرتزقة الجنوبيين أسهمت فى إضعاف سيطرة الجيش السودانى على بعض مناطق عبور انابيب النفط ومنع الفرق الفنية من متابعة وتقوية محطات الضخ مما أثر على الكميات التى كانت تضخ عبر هذه الأنابيب ، و أضعف العائدات تدريجياً حتى توقفت تماماً وفاقم من الأزمة الاقتصادية ومن المعلوم أن عائدات النفط تشكل أكثر من ٩٠٪؜ من ميزانية دولة جنوب السودان.
وقد شهدت مدينة ملكال مظاهرات لمواطنين تأثروا بتأخر المرتبات لشهور عديدة ، وتوقف اساتذة الجامعات عن التدريس وهددوا باضراب على نطاق واسع ليس بسبب زيادة مرتبات ، بل بتأخرها لأشهر عديدة ، ومازالت أزمة المرتبات تتفاقم بسبب توقف عائدات النفط تماما ، وقد وصل سعر الدولار فى السوق الموازى اكثر من ثلاثمائة جنيه .
‏‎ومن آثار هذه الحرب على الأوضاع بجنوب السودان تدفق اللاجئين السودانيين والعائدين الجنوبيين الذى شكل ضغطاً إضافياً على الموارد والبنية التحتية الهشة ، كما أن السودان كان يؤدي دوراً مهماً في تسهيل المساعدات الإنسانية إلى جنوب السودان ، وتوفير طريق لنقل الإمدادات عبر بورتسودان وقد أدت الحرب إلى تعطيل إيصال المساعدات وهذا من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية القائمة .
‏‎أوقفت الحرب كل أشكال التفاهمات و صور التعاون التي كانت بين البلدين في جملة من القضايا الاقتصادية والسياسية والامنية التى من المتوقع أن تؤثر على مستقبل العلاقات بين البلدين .
تسعى بعض الجهات الاقليمية و قوى سياسية فى الداخل إلى إبعاد السودان من المشهد الجنوبى بسبب أوضاعه الداخلية وهى مساعى تفتقر إلى الحكمة وتتسم بقصر النظر فأوضاع السودان حتما إلى زوال وهذه المساعى ليست في مصلحة الاستقرار السياسي والانتقال الديمقراطي بجنوب السودان.
‏‎لم تصدر الحكومة السودانية بياناً أو تصريحاً رسمياً حول موقفها من الانتخابات فى جنوب السودان رغم دورها فى رعاية الإتفاق المنشط ولكنها قطعاً سوف تتأثر بنتائج هذه الانتخابات المحتملة في حال قيامها أو تأجيلها بناء على السيناريوهات المتوقعة .… نواصل
د عبدالله ميرغني صالح صارمين