رأي

قال أولم تؤمن

واذ قال ابراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي. وروي عن سيدنا عمر أنه دعا أن يرزقه الله إيماناً كإيمان العجائز، لا تخالطه عذابات الحيرة أو تشوبه آلام الشك والتردد والريبة. وفي الشأن ذاته قالت عجوز لمن جمع مئة دليل على وجود الله: لو لم يكن في قلبك مائة شك ما جمعت مائة دليل. وهناك فئة من الناس ترى في التعاليم القرآنية حقائق مطلقة واجبة التصديق والتسليم، وفي العلم التجريبي وسيلة لتحقيق اطمئنان القلب.
هب أن هناك نقطة، وامتد منها خط مستقيم فصار لها بعد أول، ولنسمه الطول. ثم هب أن خطاً آخر قد تفرع من ذلك الخط الأول، فأصبح هناك عالم بعرض وطول، أي عالم ثنائي الأبعاد، مسطح كسطح منضدة.
افترض أن هناك كائنات خرافية تعيش في هذا العالم المسطح، فإنه سوف لن يكون لهذه الكائنات علم بوجود بعدٍ ثالث يسمى الارتفاع. وإذا ما استطاع أحد سكان هذا العالم المسطح التحليق ببضع سنتيمترات فوق عاله المسطح هذا يكون بذلك قد غاب عن أنظار مواطنيه، لأنه يكون قد قفز في البعد الثالث (الارتفاع) فصار مثلنا تماماً نحن بني البشر أخفياء في نظر سكان العالم ثنائي الأبعاد وكأننا غير موجودين.
بالرغم من أننا نحن بني البشر مخلوقات ثلاثية الأبعاد إلا أن فينا جزءاً ثنائي الأبعاد، هو الظل الذي يتكون من طول وعرض فقط. ولذلك إذا ما أردنا أن نكزن جزءاً من العالم المسطح كي نتمكن من التواصل معه فإنه لا يمكننا فعل ذلك إلا من خلال هذا الظل، لأنه ثنائي الأبعاد مثلها. ولكي نفعل ذلك علينا في هذه الحالة التخلي عن بعدنا الثالث، الارتفاع.
في العام 1905 حينما جاء آينشتاين بنظريته النسبي الخاصة قال بأن هناك بعداً رابعاً في عالمنا لا يمكن الحديث عن أبعاده الثلاثة الأخرى (الطول والعرض والارتفاع) بدونه لأن هناك عنصر آخر يسمى الحركة، لأن كل الأجسام في الكون في حالة حركة، ولذلك لا بد من إضافة بعد لاتبع هو الزمن لتوصيف أي حدث في الكون. وشبه هذا البعد الرابع، وهو الزمن، بنهر جاء يجري منذ البداية، بداية الكون وإلى نهايته وفي اتجاه وحد، متسارعاً ومتباطئاً حسب سرعة الجسم.
يقول تعالي عن إبليس: “إنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ”. لماذا يرونا ولا نراهم، لأنهم يروننا من بعد آخر نحن لا ندركه، وهو البعد الخامس. وحتى يتمكن إبليس وقبيله من التواصل معنا عليهم التخلي عن هذا البعد، كما سبق أن تخلينا نحن عن بعدنا الثالث (الارتفاع) حتى نتمكن من التواصل مع سكان العالم المسطح ذي البعدين الذين هم أدنى منا في ترتيب العوالم. هذا يعني أن الجن يتواصلون معنا من خلال ظلالهم كما فعلنا نحن مع سكان العالم ثنائي الأبعاد بتواصلنا معهم من خلال ظلالنا. وهذا يعني أيضاً أن تأثير الجن علينا هو تأثير إيحائي، من خلال خيالاتهم. وهنا قد يتبادر للأذهان معنى قوله تعالى “إن كيد الشيطان كان ضعيفا”.
في سورة الطلاق يقول تعالى: “الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن … الآية”. قال حبر الامة وترجمان القراءان ابن عباس في تفسير هذه الآية كما جاء في عدة مصادر: “خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ، أي سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدامكم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى. ويضاف في رواية أخرى “وابن عباس كابن عباسكم”.
هذا قول صريح بتعدد العوالم، الذي اعترفت به نظريات الفيزياء أيضاً، مثل نظرية “الهايبرسبيس” التي تقول بأن عالمنا هذا الذي نعيش فيه هو جزء من عالم أكبر قوامه أحد عشرة بعداً، لا نرى منها سوى الطول والعرض والارتفاع. أما بقية الأبعاد فهي ومنطوية على نفسها وغير محسوسة مما يعنى أيضاً أن الكائنات التي تشغلها هي نفسها محجوبة عنا.
الان يجيء دور البعد السادس، والذي لا تدركه عقول الجن. وهو البعد الذي تتكون فيه اختياراتنا نحن والجن معاً، فأنت إذا ما اخترت ان تكون مدرسا مثلا فهذا خيار واحد من بين اختيارات متعددة ولانهائية يمكنك الاختيار من بينها. ولكن من يسكن هذا البعد من كائنات يمكنه أن يرى كل الطرق المحتملة أمامنا، ويمكنه أيضاً التدخل لأجل أن يحرف اتجاهاتنا الى طرق أفضل. ومن هنا، من هذا البعد يمكن الإجابة على مسائل كمسألة التسيير والتخيير.
لدينا الان ستة أبعاد وعالمين (عالمنا المكون من الأرضين السبع وعالم الجن). ولنفرض أننا جعلنا هذه الابعاد الستة وهذين العالمين في جانب، ثم أننا رسمنا خطاً خارجاً من هذا الجانب إلى جانب آخر توجد فيه مكونات مشابهة لمكونات الجانب الأول (أي ستة أبعاد والعالينن اللذين معها). هذا الخط الذي يربط بين هذين الجانبين، هو خط زمني بصفة مختلفة، هو بعد زمني علوي ولنسمه البعد السابع، وهو الذي يتفرع منه عالم جديد بسلطة لا تقارن بأي سلطة أخرى وبإمكانيات لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ببال بشر.
ثم يجيء البعد التاسع. وهو البعد الذي لا يمكن للعقل البشري أو الجن تخيله، ولك أن تتخيل ما يمكن أن يملكه سكان هذا البعد من صلاحيات. وما يجب التنويه إليه هنا هو أن الكائنات في الابعاد العلوية تستطيع التدخل حسب صلاحيات معينة في البعد الذي أسفلها بالتخلي عن بعد معين، لكن الصعود لبعد أعلى يترتب عليه الهلاك. وهذا يعني أن قسماً من الملائكة في البعد السابع مثلاً يستحيل عليه الصعود إلى البعد الثامن، والملائكة في البعد الثامن يستحيل عليها الصعود إلى البعد التاسع وهكذا. وفي هذا تذكير بقول سيدنا جبريل عليه السلام للنبي صلوات الله وسلامه عليه ليلة عرج به: “لكل منا مقام معلوم يا رسول الله، إذا أنت تقدّمت اخترقت، وإذا أنا تقدّمت احترقت”.
البعد العاشر، هو البعد الذي يحكم كل الأبعاد، حيث السلطة المطلقة والقرار الأوحد، حيث الأمر كن فيكون. وما تجب الإشارة إليه في هذا المقام هو أن البعد الرابع الذي يربط عالمنا بعالم الجن هو الزمن. والبعد السابع الذي يربط العوالم السبعة ببعض هو أيضاً الزمن، هذا يعني أن البعد العاشر يجب أن يكون حسب ترتيب الأبعاد هو الزمن أيضاً. وهذا يعني أن الزمن هو الرابط الوحيد بين كل هذه الأبعاد. وفي الحديث القدسي فيما صح عن البخاري ومسلم “لا تسبُّوا الدهر، فإنَّ الله هو الدهر”. والدهر هو الزمن.
ما تقدم بعض ما جاء في قناة “كن مختلفاُ” لمحمد الرفاعي، ومصادر أخرى.
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.

عبد العظيم ميرغني