رأي

يوم البيئة العالمي لعام 2024، تحت شعار، ارضنا مستقبلنا

بروف. طلعت دفع الله عبد الماجد
خبير غابات

تستعين الأمم المتحدة يوم البيئة العالمي لتشجيع وتعزيز الوعي العالمي والعمل من أجل حماية البيئة. يُقام هذا اليوم سنوياً منذ عام 1973، وأصبح أيضًا منصة حيوية لتعزيز التقدم في الأبعاد البيئية المختلفة لأهداف التنمية المستدامة.

وكان عام 1972 بمثابة نقطة تحول في تطوير السياسات البيئية الدولية، حيث عقد في هذا العام تحت رعاية الأمم المتحدة، المؤتمر الرئيسي الأول حول القضايا البيئية، في الفترة من 5 الى 16 يونيو في ستوكهولم / السويد. وكان الهدف من المؤتمر، المعروف بمؤتمر البيئة البشرية، أو مؤتمر ستوكهولم، صياغة رؤية أساسية مشتركة حول كيفية مواجهة تحدي الحفاظ على البيئة البشرية وتعزيزها.

ويشارك أكثر من 150 بلداً في فعاليات الاحتفال باليوم العالمي للبيئة كل عام بقيادة برنامج الأمم المتحدة للبيئة. وتتبنى الشركات الكبرى والمنظمات غير الحكومية والمجتمعات والحكومات والمشاهير من جميع أنحاء العالم العلامة التجارية الخاصة باليوم العالمي للبيئة لمناصرة القضايا البيئية.

تستضيف المملكة العربية السعودية في الرياض اليوم الأربعاء 5 يونيو، فعاليات اليوم العالمي للبيئة 2024، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للبيئة، تحت شعار، ارضنا مستقبلنا. ويشارك في الفعاليات عديد من ممثلين الدول والمسؤولين والخبراء والمختصين والمهتمين بالمجال البيئي في مختلف دول العالم، وهذا بحسب ما أعلنته وكالة الأنباء السعودية واس، وأوضحت وزارة البيئة والمياه والزراعة في المملكة العربية السعودية، في بيان رسمي إنها تؤكد التزام المملكة بحماية البيئة وتعزيز التنمية، وتدعم ما أطلقته من مبادرات ومشاريع مع رؤية المملكة 2030.

تعمل وزارة البيئة والمياه والزراعة وازرعها المختلفة ومن أبرزها المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر على تنمية مواقع الغطاء النباتي وحمايتها والمحافظة عليها، وتأهيل المتدهور منها، واستعادة التنوع الأحيائي في البيئات الطبيعية، إضافة إلى دوره في الإشراف على أراضي المراعي، والغابات والمتنزهات الوطنية واستثمارها، للوصول إلى رؤية المركز في إيجاد غطاء نباتي مزدهر ومتنوع، يعزز الاستدامة البيئية ويسهم في جودة الحياة ويسهم في ترجمة مبادي واهداف مبادرة السعودية الخضراء

وأكدت المملكة العربية السعودية، أن الفعاليات ستسلط الضوء على أهمية الحفاظ على البيئة وتعزيز التعاون بين دول العالم للتصدي لأكبر المشاكل التي تواجه البيئة، والتركيز على قضايا تدهور الأراضي وجفاف التربة، بجانب الاستثمار العالمي في السياسات والإجراءات التي تهدف إلى حماية الطبيعة، والوصول إلى مستقبل افصل لجميع دول العالم، مع ضرورة المشاركة في الجهود الوطنية والعالمية من أجل حماية وإعادة هيكلة النظام البيئي في جميع أنحاء العالم، وذلك لتحقيق اهداف التنمية المستدامة.

جهود المملكة في اليوم العالمي للبيئة 2024
اكدت وزارة البيئة والمياه والزراعة إلى أن فعاليات اليوم العالمي للبيئة، ستدعم الجهود التي تقودها المملكة لاستصلاح الأراضي الزراعية، وستسلط الضوء على مبادراتها الوطنية الفعالة ،والإقليمية والدولية الهادفة لعملية تنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، وحماية المحميات الطبيعية، وتقليل الانبعاثات الضارة، وذلك من خلال زراعة الأشجار في المساحات الشاسعة من الأراضي الصحراوية وشبه صحراوية وإعادة احيائها، وتشمل هذه القرارات مبادرة الأراضي العالمية لدول مجموعة العشرين التي تم إطلاقها خلال رئاسة المملكة لقمة العشرين، وستساهم في حشد العالم للمشاركة بشكل فعال في الدورة السادسة عشر لمؤتمر الأمم المتحدة لمكافحة التصحر COP 16 الذي تستضيفه الرياض في ديسمبر المقبل.

مبادرة السعودية الخضراء
مبادرة السعودية الخضراء هي مبادرة وطنية طَموحة أطلقتها المملكة العربية السعودية في عام 2021م بهدف مكافحة تغير المناخ ورفع مستوى جودة الحياة وحماية كوكب الأرض للأجيال القادمة. وتسعى مبادرة السعودية الخضراء إلى حشد جهود كافة الجهات الفاعلة في المجتمع لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية، هي خفض الانبعاثات، والتشجير، وحماية الأرض، والطبيعة. وهناك حالياً أكثر من 60 مبادرة يجري تنفيذها للمساهمة في تحقيق أهداف مبادرة السعودية الخضراء، حيث تمثل جميعها استثمارات ضخمة في مجالات الاقتصاد الأخضر.

أصبحت المملكة العربية السعودية أحدث دولة تنضم رسمياً إلى التحالف الدولي لمكافحة الجفاف، وهو تحالف عالمي يحشد بين القوى السياسية والقدرات التقنية والاستثمارات المالية من أجل إعداد العالم لمواجهة أشد موجات الجفاف. وبهذه الإضافة وصل إجمالي عضوية التحالف الدولي لمكافحة الجفاف إلى 37 دولة و28 منظمة حكومية دولية ومؤسسة بحثية، مما يعكس التزاماً متزايداً لمكافحة الجفاف كجزء هام في محاولات مواجهة تغير المناخ والإدارة غير المستدامة للأراضي.

لقد بذلت المملكة جهودا كبيرة في مؤازرة الكفاح العالمي من اجل حماية كوكب الأرض, وانطلقت حملات التشجير بالمواقع المختلفة البرية والبحرية وتوسعت في زراعة غابات المدن ونشير الي مبادرة الرياض الخضراء كخطوة الولية للوصول إلى المصالحة الصادقة بين الشجرة والمدينة وعملت بخطي حثيثة من اجل إعادة الغطاء النباتي واثراء التنوع الاحيائي ومكافحة التصحر.

ونري أشجار النخيل الباسقة في معظم مناطق المملكة والتي تعتبر رمزا للتصالح مع الطبيعة وتعزيز الامن الغذائي والاقتصادي.
وتغنّى العرب في أشعارهم بالنخيل كثيرا وعدّوه أمير الحقول وطعام الغني والفقير، وزاد المسافر والمغترب كما في قصيدة أحمد شوقي الطويلة التي قالها في وصف النخيل وذكر مناقبه، ومن ضمنها يقول:
أهذا هو النخلُ ملكُ الرياضِ
أَميرُ الحقولِ، عروسُ العزب
طعامُ الفقيرِ، وحَلوَى الغَنيِّ
وزادُ المسافِر والمُغْتَرِب

الاستغلال الرشيد لموارد الغابات
إن مبدأ الإنتاج المستدام هو القاعدة التي يرتكز عليها الاستغلال الرشيد لأي مورد طبيعي متجدد ليستمر إلي الأبد مقدماً خدماته من أجل حياة ورفاهية الإنسان ما بقيت الإنسانية معمرةً للأرض. والموارد الطبيعية المتجددة هي الماء والأشجار (الغابات) والحيوانات البرية والكلأ (المرعى) والتربة والهواء.

إن الاستغلال الرشيد للغابات والموارد الطبيعية الأخرى هو الضمان الوحيد لاستمرار الحياة الإنسانية علي ظهر الأرض لأن هذه الموارد كمصادر للرزق محددة ومقدرة من عند الله سبحانه وتعالى فقد جاء في محكم التنـزيل : (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننـزله إلا بقدر معلوم) الآية 21 من سورة الحجر.

لهذا يأمرنا سبحانه وتعالى بالقسط وعدم الإسراف في استغلال ما حبانا به من رزق ونعم إذ قال : (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفاً أُكله والزيتون والرمَّان متشابهاً وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) الآية 141 سورة الأنعام.

إن عدم الإسراف أو الاستغلال الرشيد للغابات والموارد الطبيعية يعني استغلالها بقدر لا يزيد عن مقدرتها علي التجديد.

منذ وقت مبكر في التسعينات تم الاعتراف بقيمة الغابات في مكافحة التصحر وتدهور الأراضي. ومكافحة التغيرات المناخية. حيث تلعب الغابات دوراً هاماً فى حفظ التوازن المائي عن طريق مساعدة مياه الامطار للتسرب الى باطن الارض، لتزيد من منسوب الماء فى الابار وفى جريان الينابيع والانهار. وللغابات ايضاً دور متعاظم فى الحفاظ على التوازن البيئي والتنوع الاحيائي عن طريق المساهمة المباشرة وغير المباشرة فى تكوين السلاسل الغذائية.

اكدت الدراسات الارتباط القوي بين الجفاف والتصحر وتغير المناخ (ثاني أكسيد الكربون والحرارة والامطار-تحول خط التماطر). ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض الامطار وموجات الجفاف المتكررة تؤثر على نظم الإنتاج وتدهور القاعدة الموردية.
تجمع الأشجار والنباتات الأخرى في عملية التمثيل الضوئي، ثاني أكسيد الكربون من الهواء والهيدروجين من الماء لصنع الكربوهيدرات اللازمة لنموها. تساهم العملية إلى حد كبير في إزالة بعض الكميات الفائضة من ثاني أُكسيد الكربون التي تنتج من النشاطات البشرية المختلفة والتي تعتبر السبب الأولي لرفع درجات الحرارة. عندما تموت الأشجار، لا تتوقف عن أداء هذه الوظيفة وحسب، إنما يصبح تعفن بقايا الخشب والأوراق مصدرًا آخر لثاني أُكسيد الكربون. وتتحول الأشجار من عامل مخفف لتغير المناخ إلى عامل مشارك فيه.

تختزن غابات العالم كمية هائلة من الكربون أكثر من إجمالي الكربون الموجود في الغلاف الجوي. وقد كان إدراج الغابات واستخدام الأراضي والتغيُّر في استخدام الأراضي والغابات في بروتوكول كيوتو موضوع نقاش مكثف طيلة المفاوضات بشأن البروتوكول.

ولم تُعالج قضية الغابات واستخدام الأراضي والتغير في استخدام الأراضي والغابات معالجة حاسمة إلا في سنة 2001 في إطار اتفاقات مراكش. ووظائف الغابات هذه فيما يتعلق بميزان الكربون تعالجها ثلاثة أنشطة ينص عليها بروتوكول كيوتو هي: التشجير /إعادة التشجير؛ وإزالة الغابات؛ والإدارة الغابية. وتقدم البلدان تقارير عن التغيُّرات التي تحدث في مخزونات الكربون في الغابات الخاضعة للإدارة نتيجة لهذه الأنواع الثلاثة من الأنشطة.

وعلى المستوى العالمي، أشار التقرير التقييمي الرابع للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ (2007) وهو من التقارير المرجعية ان الغطاء النباتي لغابات العالم يحتوي على 283 غيغا طن من الكربون في الكتلة الحيوية، و38 غيغا طن في الأخشاب الميتة، و317 غيغا طن في التربة) في الثلاثين سنتيمتراً العلوية (وفي الفضلات. وقد قُدر مجموع محتوى النظم البيئية الغابية من الكربون بما يبلغ 638 غيغا طن، وهو ما يتجاوز الكربون الموجود في الغلاف الجوي.

لقد ركّزت المفاوضات الخاصة باتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ تركيزاً مكثفاً على الغابات لأن ما يقدّر بنسبة 17.4 في المئة من غازات الاحتباس الحراري على نطاق العالم يكون مصدرها هو قطاع الغابات، وتنجم جزئياً عن إزالة الغابات في البلدان النامية IPCC, 2007.

تحتوي الكتلة الإحيائية الغابوية وأنواع التربة في الغابات على حوالي نصف مجموع الكربون الموجود في الانظمة الإيكولوجية على الأرض. وتخزن الغابات حالياً ما يزيد قليلاً عن ربع مجموع الانبعاثات المتأتية من صنع الإنسان، وهي خدمة مهمة في النظام الإيكولوجي في إطار تغير المناخ.

النظم الإيكولوجية في جميع أنحاء العالم معرضة للخطر. بسبب الاستغلال غير الرشيد للغابات والموارد الطبيعية. ولهذا السبب يركز اليوم العالمي للبيئة لعام 2024 على إصلاح الأراضي ووقف التصحر وبناء القدرة على التكيف مع الجفاف تحت شعار ’’أرضنا مستقبلنا‘‘. #معا_نستعيد_كوكبنا.

احد الاليات لمعالجة تدهور الغابات ولخفض الانبعاثات من الغابات هو برنامج تقليل الانبعاثات الناتجة من إزالة وتدهور الغابات الذي يختصر بكلمة الرد REDD+ في الدول النامية (تعني كلمة رد+ خفض الانبعاثات الناتجة عن إزالة وتدهور الغابات ، والإدارة المستدامة للغابات ، وادارة وتعزيز مخزون الكربون في الغابات في البلدان النامية).

وهذا البرنامج يسعي الي ابتداع قيمة مالية لتخزين الكربون في الغابات وتوفير حوافز للدول النامية لخفض الانبعاثات من الأراضي المشجرة بالغابات والاستثمار في مسارات للتنمية المستدامة منخفضة الكربون والمساهمة في زيادة الصمود في وجه التغيرات المناخية خلال المحافظة على النظم البيئية للغابات. يتطلب برنامج الرد اشراك واحترام حقوق المجتمعات المحلية الاصلية والاعتراف الرسمي لثقافة هذه المجتمعات والمجتمعات المعتمدة في معيشتها على الغابات وتوفير فوائد متعددة.

تدعم هذه العملية اللبنات الهامة للاستراتيجيات الوطنية المتعلقة بتغير المناخ والمحافظة على البيئة والغابات والاستخدام المستدام للأراضي والحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري على نطاق واسع. وتعزيز مخزونات الكربون عن طريق زراعة الغابات وادارتها علي نهج مستدام،

يلعب البنك الدولي دورا هاما في دفع أنشطة الرد من خلال مرفق الغابات للشراكة في الكربون ويدعو إلى حفظ الغابات، وإدارﺗﻬا المستدامة، وتعزيز مخزون كربون الغابات من خلال الوسائل الاتية:
(أ) خفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات؛
(ب) خفض الانبعاثات الناجمة عن تدهور الغابات؛
(ج) حفظ مخزونات كربون الغابات؛
(د) الإدارة المستدامة للغابات؛
(ه) تعزيز مخزونات كربون الغابات.

نتطلع ان يكون هذا اليوم بمثابة انذار لدول العالم للاهتمام بالغابات والموارد الطبيعية فقد تدهورت البيئة والموارد الطبيعية بطريقة متسارعة والامثلة نشاهدها يوميا علي شاشات التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي حيث نشاهد الأعاصير بمسمياتها المختلفة في الولايات المتحدة ودول اخري وموجات الحرارة العالية في المانيا وفرنسا والفيضانات المتكررة وكان اخرها الفيضانات التي ضربت منطقة الخليج ودول اسيوية عديدة خاصة باكستان وحرائق الغابات التي قضت علي مساحات شاسعة من الغابات حول العالم.

في هذه السانحة لا بد من ذكر الراحل ميرغني إبراهيم الذي قاد حملة زراعة أشجار النيم بالمشاعر المقدسة بمني وعرفات في بداية الثمانينات من القرن الماضي وسوف نفرد له مساحة خاصة في مقالات قادمة بإذن الله تعالي.

اختتم هذا المقال بقصيدة للراحل د. محمد كامل شوقي اول مدير لغابات السودان منذ العام 1956 والتي عبر فيها عن القيم الايكولوجية والاقتصادية والاجتماعية للغابات, اخترت منها بعض الابيات
أقرأ بأمر ربك الذي وهـــب
للناس أشجاراً فـرادى وغيب
نشر الغابة والصحراء علي
الأرض بقـــدر وموزونِ نسب
ومن الماء وبالهواء والشمس
علي الأرض الحيــــاة تكتسب
في بيئة بديعة التكوين والتنظيم
وقانون طبيعي غلب
قمتها الإنسان فــــي أحسن
تقويم وبعقله وقامته انتصب
أساسها الخلية وحـــدة الحياة
والبناء والنماء واللجب
وسرها اليخضور فـي دُنيا النبـات
فاعلاً ومع الضوء انتشب