مبادرة بايدن ..في مهب الريح!

الركابي حسن يعقوب
صب الرئيس جو بايدن الزيت على نار الخلافات القائمة أصلاً داخل حكومة نتنياهو بإعلانه عن (مقترح) صفقة ذات ثلاث مراحل بين إسرائيل وحماس مساء الجمعة الماضية ، وكان لافتاً للنظر أن الرئيس بايدن كان حريصاً على الخوض في تفاصيل المقترح وشرح نقاطه ، وقد أشار بايدن في مستهل تقديمه للمقترح إلى أن المقترح إسرائيلي ، لكن وفي ثنايا عرضه للمقترح كان يشير الى ما يفيد بأنه يأمل أن يجد القبول من الجانب الإسرائيلي ، بل أنه في ختام عرضه للمقترح حث إسرائيل على قبول المقترح ، الأمر الذي أثار التساؤلات والحيرة كيف يكون المقترح إسرائيلي ثم يشار الى ضرورة أن تقبل به إسرائيل !
وزاد مستشار اتصالات الأمن القومي جون كيربي التأكيد على أن المقترح إسرائيلي بقوله في مؤتمره الصحفي أنه جاء نتاج جهود دبلوماسية مكثفة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وأن اعلان الرئيس بايدن للمقترح من أجل شرحه بصورة أكثر وضوحاَ ومن أجل التأكيد على دور الولايات المتحدة فيه. وقالت الخارجية الأمريكية أن المقترح تم تقديمه لحماس قبل يوم من اعلان الرئيس بايدن له، مشيرة الى ثقتها التامة بأن إسرائيل ستوافق عليه بناء على التزام قطعته إسرائيل لواشنطون بالموافقة عليه.
لكن رغم هذه التأكيدات الأمريكية كان الصدى في إسرائيل يدوي في اتجاه معاكس تماماً، وكان نتنياهو – الذي من المفترض أن يكون هو عرَاب المقترح – أول من افتتح (مزاد) الرفض الإسرائيلي للمقترح حين أعلن أمام الكنيسيت الإسرائيلي بقوله أن ثمة (فجوات) بين المقترح الإسرائيلي وما أعلن عنه الرئيس بايدن وأنه لم يكن (دقيقاً) ، معلناً رفضه وقف الحرب على قطاع غزة قبل تحقيق أهدافها على حد تعبيره.
ثم تتابعت أصوات الرفض حيث هدد كلا من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية سموتريتش بإسقاط حكومة نتنياهو إذا أبرمت اتفاقاً وفق بنود المقترح الذي أعلن عنه الرئيس بايدن ، وفي الجانب الآخر من المشهد على مسرح السياسة الإسرائيلي تقف عائلات الأسرى الإسرائيليين لدى حماس والمناصرين لهم على خط القبول للمقترح المعلن من الرئيس بايدن كونه يوقف اطلاق النار الذي فيه تهديد لأرواح ذويهم من جهة ، ويضمن عودتهم سالمين إلى بيوتهم بناء على بنود الاتفاق من جهة أخرى . ويقف في هذا الجانب المطالب بقبول المقترح الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ حيث أعلن عن أنه سيدعم أي صفقة مع حماس من شأنها إعادة الأسرى الإسرائيليين إلى الديار ، ويمثل يائير لابيد زعيم المعارضة حجر الزاوية في هذا الجانب حيث أعلن الثلاثاء أنه (يؤيد صفقة تبادل المحتجزين في غزة بأسرى فلسطينيين لدى إسرائيل حتى لو أدى ذلك إلى وقف الحرب على غزة).
إذن فإن المقترح الذي هو إسرائيلي المنشأ والذي كان من المؤمل فيه أن يكون نقطة ضوء يقود الى الخروج من النفق ، أصبح عقدة وعائقاً في سبيل الوصول إلى حل للأزمة ، صار بمثابة (هجمة مرتدة) خلقت انقسام داخلي حاد بين المكونات السياسية والاجتماعية داخل إسرائيل ، كان نتنياهو يريد بمقترحه الذي أعلن عنه بايدن أن يلقي الكرة في ملعب حماس وهو موقن بأنها سترفض المقترح ومن ثم يوفر له ذلك الرفض غطاء للاستمرار في هدفه المعلن المتناقض والذي ظل يردده بصورة متكررة وهو القضاء على حماس وإعادة الأسرى المحتجزين لديها وهو هدف متناقض في جانبيه إذ لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع فهو يماثل (أكل الكيكة والاحتفاظ بها في نفس الوقت) ، وقد عجزت آلة الحرب الإسرائيلية بالفعل عن تحقيقه منذ بداية عملياتها الحربية في غزة فلا هي قضت على حماس ولا هي أعادت الأسرى أحياء الى ذويهم ، ويقول تقرير احصائي إسرائيلي أنه وحتى الثلاثاء الرابع من يونيو/ حزيران الحالي فإن ثلث الأسرى لدى حماس قد قضوا نحبهم بفعل العمليات العسكرية التي تشنها إسرائيل .
لكن المفاجأة أن حماس أبدت مرونة كبيرة حيال المقترح، صحيح أن الوساطة لم تتلقى منها رد رسمي بالموافقة حتى الرابع من يونيو/ حزيران، لكن المؤكد أن حماس لم ترفض المقترح وفي مقابل موقف حماس هذا تصاعد الخلاف والانشقاق حول المقترح في الجانب الإسرائيلي وبدا للجميع أن إسرائيل بتعقيدات مشهدها الداخلي هي التي تعيق التقدم نحو حل الأزمة. وهذا حقيقي فالخلاف الإسرائيلي أخذ منحىً صفرياً لا يقبل التسوية والقسمة وعلى الأرجح أن تكون الغلبة للكتلة اليمينية المتطرفة بقيادة بن غفير وسموتريتش ، لكن لا يستطيع نتنياهو اعطائهم هذا النصر عليه وهو ما سيجعل مصير المقترح على مهب الريح تهوي به في مكان سحيق فهو لن يتوانى في رفض المقترح تحت أي ذريعة حتى يواصل إمساكه بدفة القيادة في الحكومة الإسرائيلية الذي يمثل له هدفاً شخصياً وخط أحمر لا يسمح لأحد تخطيه حتى وإن كان هذا (الأحد) الولايات المتحدة الحليف الأكبر له .