رأي

ثمن الكلمة

في 18 يناير من عام 532م أيقن الإمبراطور البيزنطي الروماني الشرقي، جستنيان، أن المتمردين على وشك الإطاحة بحكمه وقتله. حينها تبارى مستشاروه في إقناعه بألا منجاة لهوولزوجه الإمبراطورة ثيودورا سوى الهرب. وكانت هناك سفينة سريعة معدة في انتظارهما عند الميناء الخاص بقصره، وهي على أهبة الاستعداد لتقله وزوجه الإمبراطورة إلى حيث الأمان. وما إن هم الإمبراطور المذعور بالتوجه ناحية البوابة للمغادرة، حتى نهضت الإمبراطورة ثيودورا من على العرش وألقت كلمة موجزة جعلت زوجها الإمبراطور يتراجع عن فكرة الهرب والتصدي للتمرد ودحره.

كلمة الإمبراطورة ثيودورا أوردها “وليام سافير”، في كتابه “أعرني أُذُنيك Lend Me Your Ears” الذي جمع فيه مئتي خطبة من أروع خطب التاريخ Great Speeches in History كما أسماها، وقد قمت بترجمتها على النحو التالي: “يا إلهي، إن الوضع الراهن لحق خطير بحيث لا يسمح لي باتباع التقليد المتبع والذي ينص على أنه لا ينبغي لامرأة التحدث في مجلس للرجال. ولكن لأولئك الذين تتعرض مصالحهم للخطر الشديد ينبغي عليهم أن يفكروا فقط في إتباع الأسلوب الأكثر حكمة وواقعية وليس الطرق التقليدية المعتادة المتبعة. في رأيي، أن الهرب ليس وسيلة جيدة حتى لو أوصلتنا إلى بر الأمان، فمن المستحيل على الإنسان الذي يولد في هذا العالم ألا يموت؛ وأما بالنسبة لمن هو ملك، فليس من اللائق أن يرى وهو في حالة هرب. إني أتمنى ألا أُحرم أبدًا من هذا الرداء الأرجواني الملكي، وإني أتمنى ألا أرى يومًا لا يدعونني فيه أولئك الذين هم من حولي بغير الإمبراطورة. إذا كنت ترغب في إنقاذ نفسك يا سيدي، فلا توجد صعوبة، فنحن أغنياء وهناك البحر وهنالك السفن. لكن تفكر للحظة سيدي فيما إذا كنت، بعد أن تهرب إلى مكان آمن، سيكون بوسعك أن تكون سعيداً باستبدال هذا الأمان بالموت. أما أنا، فأني أرى في هذا الثوب الأرجواني الملكي أنبل كفن”.

منذ حوالي القرن وربع القرن تقريبا أثر عن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني قوله: “فلسطين ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية، واذا مزقت دولة الخلافة يوماً فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن. أما وأنا حي، فإن عمل المبضع في بدني لأهون عليَّ من أن أرى فلسطين قد بترت من دولة الخلافة العثمانية. من الممكن أن تقطع أجسادنا ميتة، وليس من الممكن أن تشرح ونحن على قيد الحياة”.

منذ العام 1936 ظلت مقولة الملك والإمبراطور البريطاني إدوارد الثامن في شأن امرأة عادية من عامة الشعب: “لقد وجدت أنه من المستحيل عليَّ أن أتحمل عبء هذه المسؤولية (العرش) دون مساعدة ودعم المرأة التي أحببت” يتم ترديدها في شتى المناسبات.

ومن قبل نحو ثلاثة آلاف سنة أثر عن الفيلسوف الإغريقي “سقراط” قوله لقضاته الذين حكموا عليه بالموت: “حان الآن وقت الرحيل، بالنسبة لي لأموت، وبالنسبة إليكم لتعيشوا. ولكن، أيٌّ منا سوف يكون في وضعية أفضل؟! هذا ما لا يعلمه أحد إلا الله”!

فما الذي جعل من هذه الكلمات والأقوال أقوالا أو مقولات حية وخالدة في ذاكرة التاريخ؟

العامل الحاسم الذي جعل من كلمة الإمبراطورة ثيودورا خالدة هي وقفتها الشجاعة ومخاطرتها بحياتها وحياة زوجها. وما جعل مقولة السلطان عبد الحميد خالدة هي تضحيته بعرش الإمبراطورية العثمانية برفضه عرض رئيس الجمعية الصهيونية “هرتزل” المغري في مايو 1901م ببيع فلسطين لتوطين اليهود.
وما جعل مقولة الملك إدوارد الثامن خالدة تنازله عن عرش الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس وفاء للسيدة التي أحب. وما جعل كلمات سقراط خالدة على مدى ثلاثة آلاف سنة وربما آلاف السنوات القادمة تضحيته بحياته في سبيل أفكاره ومبادئه.

فالعامل الأكثر أهمية و الحاسم في جعل الأقوال أقوالاً خالدة وحية في ذاكرة التاريخ هو الثمن الذي تمهر به. فكلماتنا -يقول الشيخ الشهيد عبد الله عزام” ستبقي ميتة، أعراساً من الشموع لا حراك فيها جامدة، حتى إذا متنا من أجلها انتفضت حية، وعاشت بين الأحياء، كل كلمة عاشت كانت قد اقتاتت قلب إنسان حي، فعاشت بين الأحياء”.

الكلمة مسؤولية تبعتها عظيمة، ولولا كلمة فربما لم تولد أصلاً فكرة كفكرة عيد الشجرة التي يؤرخ لمولدها بالرابع من يناير 1854م بولاية نبراسكا الأمريكية، وربما لم يعرف أصلاً اسم الصحفي “ستيرلنق مورتون” صاحب الفكرة. ولولا كلمة المرحوم الصحفي الفاتح النور في 5 يونيو 1963 “إن لم تزرع شجرة … فلا تقطع شجرة” لما غرست مئات الملايين من الأشجار، ولما بدأت الاستعدادات لنفرة التشجير (رقم 61) الشهر القادم (يونيو 1963 – يونيو 2024).
فالكلمة مسؤولية تبعتها عظيمة “ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة”. فـ “إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل”.

مع تحياتي وتضرعاتي بحسن الخلاص؛

عبد العظيم ميرغني